شروق حرب
فلسطين
استضافتها ألين خوري
١٥ نيسان - ٢٠ ايار، ٢٠٢١

شروق حرب فنانة ومخرجة سينمائية وكاتبة. وهي أحد مؤسسي العديد من المبادرات الفنية المستقلة مثل ArtTerritories (٢٠١٠-٢٠١٧) وThe River Has Two Banks (٢٠١٢-٢٠١٧) . تركز ممارساتها الفنية على الثقافة البصرية عبر الإنترنت وتتتبع الطرق التخريبية لتداول الصور والسلع. حصل فيلمها "الفيل الأبيض" على جائزة أفضل فيلم قصير في مهرجان سينما دو ريل في باريس عام ٢٠١٨، وتم إدراجه في القائمة القصيرة لمهرجان هامبورغ الدولي للفيلم القصير عام ٢٠١٩. ومؤخراً نشرت قصتها القصيرة الأولى "وهذا هو الشيء الذي لقد وجدت” (٢٠٢٠) في ميزوسفيرا. يجمع معرضها الفردي في مركز بيروت للفنون لأول مرة العديد من أعمالها الفنية في معرض واحد. حصلت على جائزة Han Nefkens Foundation - Fundació Antoni Tàpies Video Art Production Award (٢٠١٩) .

شبح عند السحور
مرحبا بكم في هذه الوليمة.
تحتوي  المائدة على وحش.

أكتب لكم من بلدة بيت جالا الواقعة في بيت لحم، حيث أستيقظ كل صباح على أصوات بناء جدار الفصل الإسرائيلي. صوت متواصل يغرق خلال النهار في صوت ضحك الأطفال الذين يلعبون في الحي وتزمير السيارات المفرط الناجم عن الازدحام المروري.
أقول لنفسي، يجب أن أتأمّل في هذا الصوت.
وأن أستمر في سماعه، وأن أظلّ واعية له. وألّا أدع نفسي أنساه بينما أحاول ممارسة نشاطي اليومي. وألّا أتركه يتلاشى وينحسر في الخلفية.

جئت إلى هنا، إلى هذه المدينة، للعمل على إقامة هذا المعرض. ولأخذ مسافة من مدينتي رام الله، لكي أتواصل معكم، أنتم الموجودين في بيروت.

عندما أقول ذلك بهذه الطريقة، أدرك عبثية الأمر.

الهروب من هشاشة مدينة عبر الانغماس في حساسيّة مدينة أخرى.

إنبثقت معظم هذه الأعمال من جهودٍ متواصلة بذلتها على مدى السنوات العشر الماضية لكي أتوصّل إلى ما يشبه تصفية الحساب مع مدينتي، ومع تضاريسها الحضرية المتغيرة، ومع مكانتها ورمزيتها. أود أن أفكّر أنني قمت بإنشاء صورة لمدينتي من خلال دلائلها العابرة والمتلاشية؛ لافتات الشوارع المتغيرة باستمرار، والمجازات الثقافية الشعبية التي تجد طريقها إلى واجهة المدينة وإلى غيومها الافتراضية.

أنظر إلى أسماء الأشخاص على لافتات الشوارع وإلى وجوههم التي تزين اللوحات الإعلانية وواجهات المحلات. هي صورٌ وأسماء ودلالات لأماكن أخرى. أصبحت ذكريات الآخرين طريقتي في المطالبة بذاكرتي عن هذا المكان. أحياناً، يكشف هذا الاستيلاء عن ما هو محجوب ومخفيّ، بينما يعبّر في أحيان أخرى عن التّوهان وفقدان الاتجاه.

سيكون من الخطأ الخلط بين المكان والرمز.
أعتقد أن هذا ينطبق بشكل خاص على فلسطين: المكان والرمز. أدى الاحتلال الإسرائيلي إلى تشظّي المشهد وتجزئته، وتحويل فلسطين إلى رمز أو فكرة، عوضاً عن واقعٍ دائمٍ مستمر أو بنيةٍ متماسكة ومُحكَمة.

أن نقبل بهذه التجزئة يعني أن نقبل بالاحتلال. وأن نقبل بأن يكون لكل مدينة وبلدة وشارع وحي حضور بصري مختلف يمارس فيه الاحتلال قوته، وينتج عنه أعراض عقلية ونفسية مختلفة.

في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بدأنا نشير إلى رام الله على أنها «حالة». أتذكر شعوري بالإرباك والانزعاج لهذا الأمر الذي فَرَضَ حالة من التخدّر والانفصال عن بقية فلسطين. كما لو كانت رام الله جزيرة نائية ومنعزلة، وعاصمة فعلية للسلطة الفلسطينية. وكأنه يمكن أن نمتلك رام الله إذا تخلينا عن القدس. في الأشهر التي سبقت هذا المعرض، حاولت التفكير في هذا القلق بمزيد من الدقّة.
لقد استغرق الأمر منّي عشر سنوات لأدرك أن حالة التخدّر التي تعيشها رام الله هي أيضاً جزء من الصورة الأكبر للاحتلال في فلسطين. يؤلمني واقع أن مدينتي ليست بطولية بما يكفي، وأنها مُربِكة ومُقلِقة. أدرك الآن أننا بحاجة إلى استرجاع رام الله أيضاً. أن ننبذ رام الله يعني أن نُقرّ بفوز الإسرائيليين.

أنظر إلى الأرصفة وإلى الأطراف في سعيٍ منّي لتذكير المدينة بشوارعها الحقيقيّة. كنت أرغب في أن تتسنّى لي فرصة

الرقص بين أشباحها التي رفضت الرّضوخ والمضيّ قُدماً. تلك الأشباح التي انتصرت على الموت.
عندما يُفرغُ الرّمز من المعنى، يصبح شبحاً ومرجعاً لما فُقِد، وأثراً عنيداً لما حُكم عليه بالانحجاب والخفاء. نشعر بشيءٍ من الميلانكوليا عندما ندرك أننا دُعينا إلى إلى وليمة بين هؤلاء الأشباح. 
هالاتٌ عنيدة ومتصلّبة تحاول الإعلان والتّعبير عمّا فُقِدَ وضاع، في دعوةٍ للاعتراف بإمكانية إعادة استحضارها.
لكن ليس هناك سحر. لا شيء يمكنه ترميز تناقضات الواقع. هنا، يتم تجريد كل شيء إلى أساسياته وأصوله؛ مرآة لرؤية ما وراء المعلوم والمعروف أصلاً، واعتراف بأن هذه الرموز المألوفة هي أولاً وقبل كل شيء رموز طيفيّة.

"شبح عند السحور" من إنتاج مركز بيروت للفن بدعم من مسرح الحارة ودار جاسر للفن والبحث.


دار يوسف نصري جاسر للفن والبحث
شارع الخليل، بيت لحم، الضفة الغربية

+970 2 274 3257 :هاتف رقم  
 
بتنسيق مسبق فقط